الذكريات لا تلبث تنقضي ، ولكن بعضها ليس بما يزول بمرور الايام ، و من الذكريات ما لا تمحوه عاصفات الحياة ، وايضا منها ما لا تكاد تسمعه حتى تنساه ، ومما لا يغيب عن بالي تجربة مررت بها . ولم تكن عنيفة ولم تكن قاسية ، ولكن كانت مؤثرة فعلا ، كيف ان الخير للانسان ليس فيما يريد دائما ، وليس ايضا فيما يعد ، وانما ما حدث وكان ... تأكد انما هو الخير لك ، و ان لو رأيت غير ذلك فتذكر انه ما تراه من الدنيا ليس بشيء ، وانك لو قضيت عمرك كله في ترحال وتجوال و تعلم فانك لم تستق من نبع الحياة الا الشيء اليسير . كانت امتحانات الكلية قد انقضت ، وكنت قد خططت لقضاء الاجازة في السعودية مع اسرتي المقيمة هناك ، فقد حجزت تذكرة الباص ، ولم انس اعداد بعض الاوراق الشاقة الحكومية من اجل السفر و التي بعضها استخراجه اصعب من قطف زهرة من فوق قمة جبل تعلوها الثلوج ، كان يومها هو يوم عرفة و غداته كان عيد الاضحى ، لم اكن اخطط للسفر في يوم كهذا ولكن تغيير التقويم الهجري هو ما سبب ذلك ، كنت آمل على الاقل ان اقضي نهاية يوم العيد مع أسرتي ، وركبت الباص واتخذت مقعدا موازيا لصديق لي وكان جواري قريب لي ، وانطلقت الرحلة المملة ، تلك التي يكون متعتك الوحيدة فيها هي القدرة على النوم ، الا اني انا و صديقي كنا قد وجدنا طفلا صغيرا اسمه احمد في السادسة من عمره قد جلس في المقعد الذي امامنا فظللنا نلاعبه ، هؤلاء الاطفال الصغار لا تدري ما يجذبك فيهم اهي الضحكة البريئة ام ذلك الذكاء اللذيذ .. حقيقة لا ادري ولكن ما زلت استمتع بجوارهم ، وفي هذه الاثناء كان قريبي قد اتخذ مقعدا له في مؤخرة الباص ليأخذ مكانا له وسط المدخنين ، وسار الوقت بطيئا مع انه لم يخلو من البعض المرح مع احمد ، وقبل نهاية الطريق بنصف ساعة حدث ما شلنا عن الكلام . كنت انظر تلك النظرة المملة التي انظرها للنافذة كلما كنت راكبا سيارة ..لا .. النظرة ليست لما وراء النافذة النظرة للنافذة ذاتها ، و اذا بالباص يتأرجح تارة نحو اليسار وتارة نحو اليمين ثم يستقر على الارض ويمشي قليلا ويقف ، والنافذة التي انظر اليها – بيني وبينها مقعد – قد صارت اشلاء ، لم اكن قد استوعبت الموقف بعد ، كل ما حدث حدث سريعا ، لم يكن هناك صوت لبرهة الى ان قطع ذلك الصمت صوت سيدة من الامام تصرخ : لا اله الا الله ... لا اله الا الله وكأن الكل كان ينتظر صرختها قام الجميع من اماكنهم وساد الهرج والمرج ، منهم من صرخ في السائق ومنهم من نهره وأذكر ان رجلا مسنا قام رافعا عصاه يريد صنع فتحة تهوية في رأس السائق لكن رجلا اخر منعه خوفا عليه هو لا خوفا على السائق ، ثم تفقدنا بعضنا لنر ما الضرر الذي حدث .... ويا عجباه ! لقد كان السائق – الذي لم يكن قد نام لثلاث رحلات متتالية وكل رحلة مدتها 13 ساعة – يحاول ان يتقدم سيارة نقل بتروليات ، و لما كان يجاوزها فاجأه باص مقابل عرفنا فيما بعد انه باص سياح ، فحاول السائق الابطاء ولكن كان اوان ذلك قد فات ، فانحرف بشدة الى الى اليمين ، فوجد ان سيارة نقل البتروليات قد صارت بجوار انفه و عن يمينه ، فاخذ انحرافة اخرى الى اليسار ، وفي تلك الانحرافة لامس الباص المقابل ، فقط لامس ، ولكن نحن نتحدث هنا عن فيلين تلاقيا وليس عن محبوب يلامس خد معشوقته ، تلك اللمسة الحانية من الباص الاخر كانت كفيلة بان يتهشم الزجاج امام السائق ، و لكي يكون الزجاج المجور لي وللمقعد الذي خلفي اشبه ما يكون بالسكر ، وقتها لما نظر كل شخص لجاره رأينا ما يسقط الفكوك من الدهشة ، لم يصب أحـــد؟ لم يصب احد ولو بخدش صغير ؟ سبحان الله ... سبحان الله ... السائق كان امام الزجاج مباشرة ومع ذلك لم يصبه شيء ! كنت بجوار الزجاج الذي انفجر – او هكذا هيء لي – وبفضل الله لم يصبن شيء ! المقعد الذي خلفي كان فيه طفل صغير ولكنه كان نائما على رجل أمه ولم يصبه شيء ! طبعا بعض المشاكل تلت ما حدث ، سائقنا الكريم لم يحرك لسانه والتزم بالصمت ، فقط اجرى بعض المكالمات لشركة شرق الدلتا طبعا ، وليس للاسعاف وليس للشرطة ، سائق الباص الآخر جاء من خلفنا و ظل يندب حظه وكل ما كان يلوم السائق الاخر فيه : اليس لديك عقل ؟ كيف تصدم باص سياح ؟ الم تجد غيره ؟ خربت بيتي أخرب الله بيتك . وكان اصطدامه ليس فيه خطأ الا انه صدم باص سياح ولو كان الباص الآخر يقل مواطنين فلا ضير في ذلك . ولدهشتك فان سائق سيارة النقل لم يلق للامر بالا لقد وقف ونظر ثم اكمل واستدبر ، الشرطة بدورها طلبت الرخص من السائق فادعى انها طارت لما انكسر الزجاج وانه قد فقدها ، وبحث الشرطي عن أحد يشهد بما حدث ، حل ذكي فعلا ليبيت ذلك المسافر في قسم الشرطة و يتخلف عن رحلته ، و كنت قد بحثت عن ما يصلح كتذكار لهذه الحادثة ، فالتقطت اكبر قطعة زجاج من على أرض الباص ولحسن الحظ استطعت ان أضعها في محفظتي ، بعضهم قال ان في سترته ما يكفي لصنع كوب زجاج . لم يطل انتظارنا فقد كنا قريبين من الغردقة ، بعد برهة من تامل الجبال في الظلام وصل باص الاخر ، ونقلنا فيه حقائبنا ووصلنا الغردقة مع صلاة العيد ، و لما وصلت لمنزلي علمت ان الحياة فيها اسوأ مما عشناه . تأكدت عندي هذه الحقيقة في حادثة اخرى صغيرة تلت هذه الحادثة . كنت قد وصلت الى اهلي يوم الخميس وكنت انوي ان اعود الى مصر الخميس الذي يليه ، لكن امي لم تكن تود ذلك ، لم تكن تلك الاجازة كافية لها ، ولا اكذبك لم تكن كافية لي ايضا ولكن مشاغل للفرد تبقيه عن من يحب ، وأصرت ان اؤجل سفري ، وألحت علي مرة تلو الأخرى حتى نزلت على رغبتها ، ثم اتى ذلك الخميس ، ومر ذلك الخميس كأي خميس ، ولكنه لم يكن كأي خميس ، اذ اننا لم اصبحنا ومر نصف اليوم و ذهبنا لصلاة الجمعة وعدنا من صلاة الجمعة ، وكل ذلك وانا اتصور في كل ذاك اين كان مكاني الآن ان كنت قد سافرت ، ولما كان العصر اتصل بي صديقي ليخبرني بان افتح التلفاز على قناة الجزيرة ، فعبارة الامس قد غرقت في البحر............ كانت تلك السلام 98 اسلم ما يمكن ان يركب . قال الله تعالى ( وعسى ا تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم ) الصورة لي في عبارة السلام 98 وانا ذاهب ولم يتح لي ان اتصور فيها وانا عائد
.
.
الاربعاء, 07 فبراير, 2007
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.



